ابن الجوزي
301
زاد المسير في علم التفسير
والسادس : أنه [ ما احتمل إلى بيان ، ذكره القاضي أو يعلى عن أحمد وقال الشافعي ما احتمل من التأويل وجوها . وقال ابن الأنباري : المحكم ما لا يحتمل التأويلات ، ولا يخفى على مميز ، والمتشابه : الذي تعتوره تأويلات . والسابع : أنه القصص ، والأمثال ذكره القاضي أبو يعلى . فإن قيل : فما فائدة إنزال المتشابه ، والمراد بالقرآن البيان والهدى ؟ فعنه أربعة أجوبة : أحدها : أنه لما كان كلام العرب على ضربين : أحدهما : الموجز الذي لا يخفى على سامعه ، ولا يحتمل غير ظاهره . والثاني : المجاز ، والكنايات ، والإشارات ، والتلويحات ، وهذا الضرب الثاني هو المستحلى عند العرب ، والبديع في كلامهم ، أنزل الله تعالى القرآن على هذين الضربين ، ليتحقق عجزهم عن الاتيان بمثله ، فكأنه قال : عارضوه بأي الضربين شئتم ولو نزل كله محكما واضحا ، لقالوا : هلا نزل بالضرب المستحسن عندنا ؟ ومتى وقع في الكلام إشارة أو كناية ، أو تعريض أو تشبيه ، كان أفصح وأغرب . قال امرؤ القيس : وما ذرفت عيناك إلا لتضربي * بسهميك في أعشار قلب مقتل فجعل النظر بمنزلة السهم على جهة التشبيه ، فحلا هذا عند كل سامع ومنشد ، وزاد في بلاغته ، وقال امرؤ القيس أيضا : رمتني بسهم أصاب الفؤاد * غداة الرحيل فلم أنتصر وقال أيضا : فقلت له لما تمطى بصلبه * وأردف أعجازا وناء بكلكل فجعل لليل صلبا وصدرا على جهة التشبيه ، فحسن بذلك شعره . وقال غيره : من كميت أجادها طابخاها * لم تمت كل موتها في القدور أراد بالطابخين : منه الليل والنهار على جهة التشبيه . وقال آخر : تبكي هاشما في كل فجر * كما تبكي على الفنن الحمام